الشيخ محمد هادي معرفة
364
تلخيص التمهيد
اللَّه المستقيم ، صراطاً واحداً وهدفاً واحداً ، لا تنافر ولا تنافي ولا تعدّد ولا اختلاف . والدليل على ذلك أنّ هذا القرآن يصدّق بأنبياء سالفين وبشرائعهم وكتبهم وما بلّغوا من رسالات اللَّه ، ولو كان هناك تنافٍ وتنافر لما صحّ هذا التصديق . وقد جاء هذا التصديق بلفظة « مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ » في ثمانية مواضع من القرآن « 1 » . وبلفظة « مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ » في ثلاثة مواضع « 2 » . وبلفظة « مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ » في ثلاثة مواضع « 3 » . ومن ثمّ قال : « إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ . . . فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ . . . وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ » « 4 » . وفي الآية وما يتعقّبها نكات وظرف دقيقة : منها : قوله : « مصدّقاً لما معهم » أو « مصدّقاً لما معكم » - في آية أخرى - وهذا تنويه بأنّ المتبقّى من التوراة ليس كلّها وإنّما هو بعضها . . . لكنّه لم يقل : « لما بقي من التوراة عندكم » وعبّر « بما معكم » لئلّا يتنبّه اليهود إلى ذريعة أخرى لعلّهم يتذرّعون بها ، هوأنّ المنافرة إنّما كانت بين القرآن وما ذهب من التوراة ، فيجادلون الإسلام بهذه الطريقة . . . وهي طريقة أخذ ما تسالم الخصم دليلًا عليه . ولم يقل : « مصدّقاً بالتوراة عندكم » لأنّه حينذاك كان اعترافاً بأنّ الموجود هو تمامها لا بعضها .
--> ( 1 ) . البقرة : 97 ، آل عمران : 3 ، المائدة : 46 مرّتين و 48 ، الأنعام : 92 ، فاطر : 31 ، الأحقاف : 30 . ( 2 ) . البقرة : 89 و 90 و 101 . ( 3 ) . البقرة : 41 ، آل عمران : 81 ، النساء : 47 . ( 4 ) . آل عمران : 19 و 20 .